
العالم العربي – على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهد التعليم العالي توسعاً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وارتفع صافي معدل الالتحاق بالتعليم من 86% إلى 94% بين عامي 2000 و2016، فيما تضاعف متوسط سنوات الدراسة أربع مرات منذ عام 1960.
وفي حين أصبح التعليم في السنوات الأخيرة أولوية رئيسية على أجندة الإصلاح لدى العديد من صانعي السياسات في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تسجل المنطقة أيضاً مؤشراً أقل إيجابية. فقد سجلت الدول العربية أعلى معدل لبطالة الشباب في العالم عام 2023، بلغ 28.6%، وفقاً لمنظمة العمل الدولية.
هذه هي مفارقة التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: طفرة تعليمية لم تنجح في ترجمتها إلى فرص عمل، بالتزامن مع فجوة في البيانات تجعل من الصعب حتى قياس حجم المشكلة.
التعليم كاستثمار اقتصادي
لطالما اعتبر الاقتصاديون التعليم شكلاً من أشكال رأس المال، أي أموال ووقت يتم استثمارهما اليوم لرفع إنتاجية العامل في المستقبل. ويعكس مؤشر رأس المال البشري للبنك الدولي هذا الأمر بشكل مباشر، إذ يقدّر أن الطفل المولود اليوم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمكن أن يحقق 57% فقط من الإنتاجية التي كان سيحققها لو تمتع بصحة كاملة وحصل على تعليم كامل. ويخفي هذا المتوسط الإقليمي تفاوتاً كبيراً، إذ تتراوح النسبة بين 67% في الإمارات العربية المتحدة و37% في اليمن.
ومن الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي توسيع الوصول إلى التعليم إلى قوة عاملة أكثر إنتاجية، وأجور أعلى، ونمو اقتصادي أسرع. لكن في أجزاء كبيرة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أضعفت تحديات هيكلية مستمرة هذه العلاقة المتوقعة.
مفارقة التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تكشف أرقام البطالة الإقليمية واقعاً مقلقاً. وتظهر بيانات منظمة العمل الدولية أن بطالة الشباب في الدول العربية تراجعت بشكل طفيف فقط، لتصل إلى معدل متوقع يبلغ 27.7% بحلول عام 2025، فيما تواجه الشابات معدل بطالة يقارب مرة ونصف معدل البطالة بين الشباب الذكور، إذ بلغت النسبة 38.5% مقابل 25.7% في عام 2023.
أما شمال أفريقيا، فسجلت معدل بطالة بين الشباب بلغ 22.3% في عام 2023، مع وصول النسبة إلى 34% بين الشابات، مقارنة بـ18.8% بين الشباب الذكور.
وما يقارب ثلث شباب المنطقة ليسوا منخرطين في العمل أو التعليم أو التدريب (NEET)، وهي واحدة من أعلى النسب بين مختلف مناطق العالم، كما أنها تبقي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعيدة عن تحقيق هدف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المتمثل في خفض بطالة الشباب.
ما يجعل هذه الظاهرة مفارقة حقيقية، وليس مجرد نتيجة لنقص الاستثمار، هو أن ارتفاع مستوى التعليم قد يرتبط فعلياً بفرص عمل أسوأ. فقد أظهرت أبحاث جمعتها منظمة العمل الدولية ومحللو أسواق العمل الإقليمية أن العرب الحاصلين على تعليم جامعي هم أكثر عرضة للبطالة بنحو ثلاث مرات مقارنة بمن لا يحملون شهادة جامعية. ويعكس ذلك فجوة واضحة بين المهارات التي تقدمها الجامعات وتلك التي يحتاج إليها أصحاب العمل، ولا سيما في القطاع الخاص.
كما أصبح التوظيف في القطاع العام، الذي كان لفترة طويلة الجهة الأساسية لاستيعاب الخريجين، غير مستدام في معظم أنحاء المنطقة. وفي الوقت نفسه، لا تزال النساء، اللواتي أصبحن يشكلن غالبية خريجي الجامعات في أجزاء كبيرة من العالم العربي، أكثر عرضة للبطالة بنحو ثلاث مرات مقارنة بالرجال.
وتزيد العمالة غير الرسمية من تعقيد المشكلة، إذ إن ثلثي إجمالي فرص العمل في المنطقة العربية تقع ضمن القطاع غير الرسمي، ما يوفر للعمال لا الأمان الوظيفي ولا سجلات الرواتب والضرائب التي تعتمد عليها إحصاءات سوق العمل الوطنية.
الدول غير المرئية وفقر التعلم
خلف هذه الصورة الإقليمية، تبرز أزمة ثانية أكثر هدوءاً، تتمثل في وجود أنظمة تعليمية بأكملها بالكاد تظهر في البيانات. فاليمن والسودان وموريتانيا وجيبوتي والصومال وسوريا، وهي من الدول العربية منخفضة الدخل والهشة وفق تصنيف البنك الدولي، غالباً ما تغيب عن التصنيفات الدولية للتعليم، ليس لأن التعليم لا يجري فيها، بل لأن النزاعات ونزوح الموظفين الإداريين وضعف أنظمة التسجيل المدني تجعل من الصعب للغاية تحديد أعداد الملتحقين بالتعليم، أو قياس مستوى التعلم، أو معرفة عدد العاملين.
وتفيد اليونسكو بأن نحو 43% فقط من شركائها من الدول النامية يقدمون تقارير حول غالبية مؤشرات التعليم الأساسية، فيما تقدم نسبة أقل تقارير حول جودة التعلم. وقد قُدرت نسبة فقر التعلم في المنطقة، أي نسبة الأطفال في سن العاشرة غير القادرين على قراءة نص بسيط، بنحو 60% قبل جائحة كورونا، قبل أن ترتفع إلى 71% بعدها. وهذا يعني أن الوصول إلى التعليم الجامعي يبقى احتمالاً بعيداً بالنسبة إلى معظم الأطفال في هذه الدول، قبل أن تصبح إحصاءات البطالة ذات صلة أصلاً.
لماذا لا تعد فجوة البيانات مجرد مشكلة اقتصادية؟
يؤدي نقص البيانات إلى إبطاء التنمية. إذ تتجه المساعدات والاستثمارات الدولية بشكل متزايد نحو النتائج القابلة للقياس، مثل الزيادة في معدلات الالتحاق بالتعليم، وتقييمات التعلم، ومؤشرات سوق العمل. وبالتالي، تصبح الدول غير القادرة على إنتاج هذه الأدلة أقل قدرة على المنافسة في الحصول على التمويل.
ويُعد رأس المال البشري، بدوره، أحد المحركات المعترف بها للنمو والإنتاجية، ما يعني أن ضعف إحصاءات التعليم ينعكس مباشرة على ضعف تصميم السياسات، وهو ما يؤدي بدوره إلى نتائج ضعيفة في مجالي التعليم والعمل.
الخروج من الحلقة المفرغة
يخلق هذا الواقع ديناميكية يعرفها الاقتصاديون باعتبارها حلقة مفرغة. فالدول التي هي في أمسّ الحاجة إلى الاستثمار في أنظمتها التعليمية غالباً ما تكون الأقل قدرة على تقديم الأدلة التي تجذب هذا الاستثمار. ومن دون البيانات، يصعب تصميم الإصلاحات. ومن دون الإصلاح، لا تتحسن النتائج. ومع غياب تحسن النتائج، تضعف الحجة الداعية إلى مزيد من الاستثمار.
ولم يعد التحدي الذي تواجهه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقتصر على إدخال المزيد من الطلاب إلى الصفوف الدراسية، إذ تضاعفت معدلات الالتحاق بالتعليم ثلاث مرات بالفعل. بل يتمثل التحدي في بناء أسواق عمل وأنظمة معلومات قادرة على تحويل هذا التعليم إلى إنتاجية وفرص عمل ونمو اقتصادي، على أن يتم ذلك بطريقة تشمل الدول الأكثر هشاشة في المنطقة بدلاً من تركها خلف الركب.