
في المجتمعات المستقرّة، يكبر الطّفل وهو يتعلّم كيف يخطّط لمساره المهنيّ ويساهم في تطوير مجتمعه. هناك يكون السّؤال: ماذا أريد أن أكون؟ أما في المجتمعات الّتي تعيش أزمات متراكمة، فيتغيّر السّؤال ليصبح: كيف أنجو؟
التّعليم هو مساحة لاكتساب المعرفة والخبرة، واكتشاف الميول ورسم المستقبل. لكن هذا المسار الطّبيعيّ يتعطّل عندما تواجه الدّولة أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة، كما هو الحال في لبنان اليوم. فمنذ 2019، يشهد لبنان انهيارًا اقتصاديًّا غير مسبوق. تراجعت القدرة الشّرائيّة للأسر، وانهارت اللّيرة، وارتفعت الأسعار بشكل كبير، مما جعل تأمين المستلزمات الدّراسيّة عبئًا ثقيلًا على كثير من العائلات. نتيجة لذلك، اضطرّ بعض الطّلّاب لترك المدرسة والالتحاق بسوق العمل لمساعدة عائلاتهم، وأحيانًا شجّع الأهل أبناءهم على العمل بدل متابعة الدّراسة.
إلى جانب الأزمة الاقتصاديّة، واجه التّعليم الرّسميّ تحدّيات إضافيّة، إذ توسّعت الإضرابات وأبطأت العمليّة التّعليميّة، ممّا خلق فجوة واضحة بين التّعليم الرّسميّ والخاصّ من حيث انتظام الدّراسة وجودة المناهج. مع تراكم هذه الأزمات، لم تعد الشّهادة الجامعيّة بالنّسبة لكثير من الشّباب طريقًا مضمونًا نحو الاستقرار. أصبحت مجرد ورقة معلّقة على جدار المنزل في ظلّ ندرة فرص العمل. هذا الواقع خلق إحباطًا وخوفًا لدى الطّلّاب وأضعف دافعهم لتطوير مجتمعهم.
تشير بيانات اليونيسف إلى أن 31% من شباب لبنان ليسوا في دراسة أو عمل أو تدريب، وانخفض الحضور المنتظم للمدارس من 60% إلى نحو 43% خلال عامين، وارتفعت نسبة البطالة بين 15 و24 سنة إلى 47.8%.
هذه الظّروف غيّرت عقليّة الطّلّاب، فباتوا يبحثون عن فرص هجرة أكثر من فرص تطوير محلّيّ، ويتقنون حساب سعر الصّرف أكثر من رسم خطّة حياتهم المهنيّة. وهكذا تحوّل التّعليم من وسيلة لبناء المستقبل إلى تذكرة خروج، وخسر المجتمع بذلك شبابه كاستثمار أساسيّ.
معالجة أزمة التّعليم في لبنان لا تتطلّب الكمال بل الفعاليّة. يمكن البدء بدعم الطّلّاب الأكثر عرضة للتّسرّب عبر مساعدات ماليّة مشروطة بالحضور، إلى جانب توفير دعم نفسيّ وتوجيهيّ داخل المدارس. يجب ربط المناهج بسوق العمل من خلال التّعليم المهنيّ والتّقنيّ، وتوسيع التّدريب العمليّ، وإعطاء حوافز للشّركات لتوظيف الخرّيجين. كما يشكّل دعم المشاريع الصّغيرة عبر قروض ميسّرة خطوة أساسيّة لخلق فرص عمل داخليّة، ويمكن الحدّ من هجرة الأدمغة عبر منح دراسيّة مشروطة بالعودة، وإنشاء شبكة تواصل مع الكفاءات اللّبنانيّة في الخارج.
في الختام، استعادة دور التّعليم لا تتحقّق عبر الشّعارات بل عبر سياسات عمليّة تعيد إليه وظيفته الأساسيّة: بناء الإنسان ليبني وطنه. كل شاب يجد فرصة حقيقيّة داخل بلده هو استثمار طويل الأمد، وكل طاقة تُهاجر دون أمل بالعودة هي خسارة يصعب تعويضها. ربط التّعليم بالتّنمية ضرورة وجوديّة لمستقبل لبنان. فهل يستطيع لبنان أن يجعل من البقاء خيارًا طموحًا لا اضطرارًا؟
Aya moutaz al taweel