
حين كنت جالسًا على الكرسيّ أفكّر كيف يمكنني أن أكتب مقالاً يجذبُ،القارئ ويجعله يحلّق في فضاء من الخيال ليسرحَ بين طياتِ السّحرِ،عجزتُ عن الكتابة،ففي كلّ مرّة تمسك أناملي اليراع تراني أتردّد،أتوقّف،وأعجز عن التّفكير وعن الكتابة،فيض من الانفعالات المتباينة يعصف في كياني،أفكاري تتّشتت،كلماتي تتبعثر بين السّطور،وعباراتي تتناثر كأوراق الشّجر،وأعود إلى نقطة البداية إلى أن أدركت السّبب وعلمت أن ما ينتابني من مشاعر بؤس وكسل وتردّد ليس عدم الابتكار أوعدم الإبداع،بل التّفكير دومًا بأنّ الذّكاء الاصطناعيّ لديه القدرة على كتابة ما لا يمكنني كتابته،وهذا ما يعيق تقدّمي وابداعي ويقيّد غوصي في مشاعري وأفكاري الخلّاقة وما يجعلني عاجز عن تجسيد خيالي وابداعي،فنحن من جعلنا هذا الذّكاء يزدهر ويتطوّر،ففي عالم تتسارع فيه الخوارزميّات أسرع من خطواتنا داخل الصّفوف الدّراسيّة،يصبح السّؤال الأكثر إلحاحا هل نصنع طلاّبا متعلّمين أم مستهلكين للمعلومات؟فصدقًا إنّ التكنولوجيا تعلّمنا أسرع وبطريقة أفضل،لكن لا يمكنها خلق فكر ناقد،إلهام متوهّج،تميّز راقٍ وأبداع متجدّد،وأكثر ما يجول في فكري دائما هل يمكن للخوارزميّات أن تولّد إنسانا متعلّما أم أن دورالإنسان لا يمكن استبداله أبدا؟
الذّكاء الاصطناعيّ هوعلم من علوم الحاسوب،يهدف إلى إعداد أنظمة حاسوبيّة تحاكي بعض وظائف العقل البشريّ،مثل التّحليل والتعلّم والتفاعل اللّغويّ،دون أن تسهم في تنمية هذه القدرات لدى الإنسان وكما قيلَ في كتاب أولادنا والخيال للأديب سلطان ناصر الدّين،بإدراكنا نستقبلُ المعلومات وبخيالنا نحوّل هذه المدركات إلى صور ذهنيّة بخيالنا نطيرُ ونحلّقُ بخيالنا نبحثُ عن كلّ جديد فالخيال هوالحلم الذي يرفرف في الأعالي دون حدود والأمل الّذي يشقّ السّماء كأنّه انعتق من القيود. نشأ الذّكاء الاصطناعيّ في خمسينيّات القرن الماضي،وبرز رسميًّا عام 1959في ورشة دارتمورث،ثم تطوّرفي السّبعينيّات كمجال متخصّص،خاصّة في التّعليم،مع توظيف الحاسوب لتعزيز فاعليّة التّدريس،وتوسَّعَ خلال الثّورة التّقنيّة.
تتناول كتب عديدة مفهوم الذّكاء الاصطناعيّ وطرق الاستفادة منه،من أبرزها كتاب (الحياة لماكس تيغمارك ) الّذي يوضّح دور الإنسان في عصر الذّكاء الاصطناعيّ،وكتاب«الذّكاء الاصطناعيّ» لراسل ونورفيغ* الذي يشرح تطوّر المجال وتطبيقاته مثل التّرجمة الآليّة والرّوبوتات المنزليّة.
لم تعدِ الخوارزميّات مجرّد أدوات رقميّة بل تحوّلت إلى "عقولٍ خفيّةٍ" تراقبُ المتعلّمَ،ممّا يسهم في الوصول السّريع للمعرفة متجاوزاً حدود الزّمان والمكان.
ولكنّها لم تستطعْ تنمية الابتكار في العقول الصّاعدة،فيجب أن نتخيّلَ فالخيال هوالقدرة على إطلاق العنان للأفكار فهو يحرّرنا من سجن سياجه الخوارزميّات ومن وثاق جدرانه الذّكاء الاصطناعيّ.وكما ذكر في كتاب أولادنا والمسؤوليّة الذي كتبه الدّكتور سلطان ناصرالدّين الحريّة والمسؤوليّة كتوأمين سياميين إن انفصلَ أحدهما عن الآخر ماتا جميعاً.
إنّ الحديث عن الذّكاء الاصطناعيّ ليس ترفًا لغويّا ولا حشدًا للكلمات،بل هو غوص في المعنى ومحاولة جادّة لفهم حقيقة شكّلت ملامح الماضي ولا تزال ترسم ملامح الحاضر وتؤثّر في المستقبل،فالذّكاء الاصطناعيّ سيف ذو حدّين.
ففي زمنٍ كان صليلُ السّيوفِ فيه رمز القوّة،أصبح في التّعليم صوت جديد،نبض الذّكاء الاصطناعيّ،يفتح آفاق التّعلّم،يبسّط المفاهيم المعقّدة،ويشعلُ تفاعل الطّلاب من خلال إضفاء روح الحماس و جوّ النّشاط،أمّا بالنّسبة للمعلّم فقد أصبح الذّكاء الاصطناعيّ شريكا داعما له لا بديلا،عنه يساعده في تحليل أداء االطّلاب،اقتراح استراتيجيّات تعليميّة،و توفير وقتًا أكبر للتّوجيه،والتّحفيز،وبناء الجانب الإنسانيّ في التعليمّ.
ومع ذلك،فكلّ سيف له وجهين،كما كان صليل السّيوف قديما يحمل النّصر و الخطر معا، فإنّ الذّكاء الاصطناعيّ يحمل النّقيدين معاً.
فالاستخدام المفرط له يؤدّي إلى الكسل الفكريّ وقتل الابتكار،فهو يقف حاجزاً أمام العقلِ البشريّ ليمنعَه من هندسةِ أفكارِه الّتي تلمعُ في رأسِه و يعرقلُ مهارات التّفكير لدى بعض الطّلاب إذ يميلون إلى تلقّي الإجابة عوضا عن الانطلاق في رحلة الفهم والبحث،كما يبرز خطر نقل معلومات غير دقيقة،حيث أنّ أدوات الذّكاء الاصطناعيّ ليست معصومة من الخطأ وتتطلّب مهارة التّحقق والمراجعة.
وفي هذا السّياق يبرز دورالإنسان في معالجة المشكلة الكبرى ألا وهي موازنة استخدام الطّلاب للذّكاء الاصطناعيّ فالطّلاب حاليّاً في مرحلة اكتشاف هذا الكون الّذي تزاحمت فيه الأفكار وتشابكت الأصوات،يقف هذا الّذكاء كقضيّة محوريّة تفرض حضورها على العقل قبل القلم فإنّ هذا الجيل يتأثّر بالأحداث التي تمرّ وبالأزمان التي تتعاقب فكلّ خطوة وكلّ فكرة وكلّ سؤال يفتح أبوابا جديدة للمعرفة ؛قادرين على اكتشافها،فكما قال الكاتب دكتور أحمد شعلان في كتابه كون عصيّ على الفهم إنّ التّاريخَ السّابق دليل على قدرة الإنسان على التّوليد،الاكتشاف والإبداع فلماذا نصدّق ماضينا ولا نراهن على مستقبل علميّ؟وفي الختام يبقى الذّكاء الاصطناعيّ محور ضخم لا يمكن رؤيته،وعالم شاسع لا يمكن إحصاء الأفكارالّتي يحتويها،وزمن آخر يستقطبنا له لكي نصبح مخلوقات لا تعرف سوى الخوارزميّات فهو ذلك الفضاء اللّامتناهي التي تلمع فيه نجوم المستقبل،و كون فسيح يسع مجرّات العالم وما فيه،فمنذ فجر الوجود والإنسان يتأمّل هذا العالم الأبديّ ولكن هل استوطن تفكيره،ولاح في مخيّلته،وانساب في ذهنه إلى أيّ مدى هذا الذّكاء الاصطناعيّ يمكن أن يؤثّر في قدرات الطّالب الفكريّة ومهاراته؟
Mohamad Koteich